الرئيسية حقوق الإنسان نيويورك تايمز ورسالة عبد القادر الجزائري

دراسات ميدانية





نيويورك تايمز ورسالة عبد القادر الجزائري PDF طباعة البريد الإلكترونى


كتب مهيب العطار
خاص وارف حقوق الإنسان
لعل أحداث دمشق في عام  1860 ما زالت تؤرق الكثير من الكتاب و الباحثين العرب و الأجانب و خصوصا لما لها من تأثير كبير على في تغير بنية المنطقة سياسيا و أجتماعيا .. فكانت من اهم اسباب أفول طبقة سياسية و دينية حافظت على موقعها لقرون لحساب طبقة جديدة غير دينية تجارية أمسكت زمام الأمور بدمشق و التي قدر لها ان تكون الأساس في بنية الثورة العربية الكبرى يعد حوالي ستين عاما من هذا التاريخ . 

لقد قرأت الكثير من الكتب و السير و حتى المذكرات اليومية التي تناولت ما حدث قبل و أثناء و بعد هذه المجازر مثل كتاب الشيخ ابو السعود الحسيبي عضو المجلس البلدي وقتها و الشيخ سعيد الأسطواني قاضي دمشق في ذلك الزمن , و التي اتت على يةميات تفصيلية مع أسماء و مجريات هذه الأحداث .
و يلمع أسم الأمير عبد القادر الجزائري صاحب الدور الأكبر في أيقاف هذه الأحداث المؤسفة  و التي اصطلح بتسميتها بين العامة ب (طوشة النصارى) الى جانب المفتي محمود الحمزاوي و الشيخ سليم العطار  , و الذين احتمى المسيحيون بمنازلهم , و بدوره الامير بعث يجنوده المغاربة و أحاط منطقة الميدان منقذا بذلك جميع مسيحيتها و أمن ايضا القناصل الأوربيين و خاصة الفرنسيين من التعرض للأذى.
ومن خلال بحثي في هذه المسألة و أقامتي في الولايات المتحدة استطعت الحصول على أرشيف النيويورك تايمز الجريدة المشهورة و التي أرخت بمجموعة من المقالات لأحداث دمشق و لبنان من خلال مراسلها المقيم في بيروت بذلك الوقت , و التي شغلتني لفترة طويلة لما تتضمن من جوانب حياتية و تفصيلات يومية لتلك الحوادث , حيث لم تعد حدثا تاريخيا بالنسبة لي بل أتاحت لس السفر بالزمن و معايشة الأحداث لحظة بلحظة .
ولعل أهم هذه المقالات كانت رسالة بخط الأمير عبد القادر نشرت في النيويورك تايمز بعد 9 أيام فقط من اندلاع المواجهات الطائفية بدمشق يلخص بها ما حدث و يستعرض المجريات و الأحداث و ما قام به من حماية و تأمين لهؤلاء المسيحيين ,
أقوم اليوم بترجمة هذه الرسالة وأعادة نشرها للمرة الأولى منذ ان صدرت يوم 20 تموز  1860 .

 

دمشق 27 ذي الجة 1270 للهجرة ... 18 تموز 1860

 

أعزائي الأصدقاء الأفاضل 

أتمنى لقائكم قريبا و أدعو الله أن يحفظكم , لقد تسلمت رسالتكم الثمينة و المؤرخة في 13 تموز المتعلقة بما حدث للمسيحيين بدمشق و للاجابة , لقد علمتم انه في يوم الأثنين 9 تموز حوالي الساعة الثانية ظهرا أندلعت الحرب نتيجة معاقبة بعض المسلمين لتعرضهم و أساءتهم للمسيحيين , هؤلاء المسلمين هرعوا في توتر شديد مسلحين للعظم الى القسم المسيحي من المدينة و بدأوا القتل و الحرق و النهب في أن واحد , و ساعدهم في ذلك الجنود الأتراك الذين أدعو محاولة وقف الأضطرابات و لكنهم كانوا يغذون و يشاركون المشاغبين في القتل و النهب و السلب .
بعض حكماء المسلمين قاموا بمحاولة أيقاف هذه الأفعال  و لكن الضباط الأتراك لم يرغبو في أحلال السلام و لكن على العكس أمروا جنودهم بملاحقة المسيحيين البائسين و دعموهم بأفواج من المجرمين من كل طائفة.
و بعد أن وصلت الأمور الى هذا الحد الخطير لم أدخر وقتا و جهدا لحماية هؤلاء البؤساء , و ذهبت مسلحا بقوة أتباعي الجزائريين و أستطعنا ان ننقذ الأرواح من رجال و نساء و أطفال و نرجع بهم سالمين الى بر الأمان .
هذه الحالة أستمرت ليومي الأثنين و الثلاثاء حيث لم يتوقف المشاغبون عن القتل و الحرق و التضحية بالمسيحيين ,من دون أبداء اي عون من جهة الوالي لهؤلاء المسيحيون .
لقد بعثت للسيد لانوس القنصل الفرنسي بدمشق و فرنسسيين أخرين بقوة لحمايتهم من غضب تلك العصابات .
وفي يوم الأربعاء وفي ظل الأدعاء بمقتل أثنين من المسلمين و هذا ليس بالسبب عادت الحرب للأشتعال , ووالي دمشق عدمه ووجوده واحد , و من جهتي فأنا اعبر عن شديد الأسف للمأساة التي حلت بالمسيحيين من حرق و تدمير لمناطقهم و بيوتهم .
لا نعرف تماما عدد القتلى و لكنهم يدرون بحوالي 3,300 ,و كل المسيحييون و الأوربيون الذين أحتموا بمنزلي هم سالمون, أمنت لهم جميع أحتياجاتهم و أدعو الله أن يحفظ و ينجي المسيحيين البؤساء من هؤلاء غلاة المتعصبين .

                                     
عبد القادر بن محي الدين


أنتهت رسالة الأمير عبد القادر و التي وصف بها بكثير من الأسف الحوادث التي جرت خلال ثلاثة أيام و جهوده لانقاذ و حماية المسيحيين و القناصل و أغفاله اي دور لأي من علماء و أعيان دمشق حينئذ في هذه الجهود ملقيا اللائمة بشكل كامل على المسلمين و الجيش التركي الذي اتهم قائده و الوالي أحمد باشا بالضلوع في تلك الأحداث مباشرة , و ضعف الأعيان و الطبقة السياسية و الدينية و عدم أستطاعتها وقف او حتى التخفيف مما يجري عارضا رقما واقعيا للقتلى مقارنة بأرقام القناصل الأوربيين و المقدرة ب 15000
قتيل غير الجرحى .
ويؤكد على أظهار عطفه و رعايته للمسيحيين و الأقليات في المنطقة , و بروزه كقوة وحيدة و مؤثرة في الداخل الدمشقي .
و كرم بعدها من كثير من الدول الغربية بنياشين و ميداليات متنوعة أهمها من نابليون الثالث و أبراهام لينكولن الرئيس الأميركي , و في تلك الأثناء ظهر بباريس كتاب أسمه عبد القادر سلطان العرب يدعو للأمير عبد القادر في الشرق العربي و بأنه حليف موثوق و أثبت حسن النية و لعل الأمير من خلال تاريخه في الجزائر و مشيخته للطريقة القادرية و نسبه للرسول محمد بالأضافة لفصاحته و البلاغة التي عرف بها كان المنافس الوحيد في الشرق العربي للخليفة العثماني و البداية الأولى لبذور الثورة العربية .
فهل كان يرمي من خلال اتهامه المسلمين مع أغفال دور الدروز بشكل تام و عدم الأشارة اليهم في الأحداث محاولا تهميش دور الطبقة السياسية و المسيطرة على دمشق لقرون خلت من عائلات دينية و علمية و التي قد تكون المعارض الأكبر لأي نغيير او اصلاح يهدد مراكزها و أتهام الأتراك لتأجيج الأوربيين و المسيحيين بشكل عام ضدهم للمساعدة في مخططاته ضدهم . خصوصا أن عبد القادر لم يكن على ود كبير مع الخليفة العثماني لأحجام الأخير عن أبداء اي مساعدة خلال خرب الأمير مع الفرنسيين في الجزائر.
ولكن على ما يبدو بأن اجراءات فؤاد باشا و هو وزير الخارجية العثماني الذي انتدب من قبل الخليفة للتحقيق في حوادث دمشق
و التي اتت سريعة و مخالفة للتوقعات ببيروقراطية الجهاز العثماني عادة , اتت نتيجة لشعور الدولة العثمانية بخطر عبد القادر و سبقته بخطوة أعدام والي دمشق و عدد من ضباط جيشه و نفي أعيان دمشق و أبرز شخصياتها الفاعلة و المؤثرة الى الماغوصة في قبرص و تهجير بعض المسلمين من دورهم و أعطائها للمشردين المسيحيين لسحب الذرائع من عدم حماية او المشاركة في الحوادث و أرسال فرق عسكرية لضبط الأوضاع مما شدد قبضة العثمانيين على سوريا في ذلك الوقت و خصوصا بعد التخلص من الأعيان اي القوة المحلية
وربما هذه الأجراءات هي تكون ماأخرت الثورة العربية في ذلك الوقت حوالي الستين عاما في انتظار شريف أخر و هو الشريف حسين بن علي .
و لعل الدول الأوربية لم ترد شخصية فاعلة و مؤثرة في ذلك الوقت ان تقوم بالتحكم في المنطقة بل فضلت السلطة العثمانية المتهالكة لسهولة تدخلها بشؤونها تحت ذرائع حماية المسيحيين و الأقليات .
توفي الأمير عبد القادر عام 1883 في هدوء بعد تاريخ حافل و لم يكن لأولاده اي دور سياسي يذكر ألا حفيديه سعيد و الذي تسلم حكم مدينة دمشق من العثمانيين بعد انسحابهم من دمشق عام 1918 و عبد القادر الصغير و الذي قتل في أعمال شغب بدمشق تلت دخول الأمير فيصل بن الحسين .
هناك أكثر من عشرين مقال مطول في النيويورك تايمز يصف أحداث لبنان و دمشق تستحق النشر و الدراسة و خصوصا انها تأتي من عنصر محايد و هو الأمريكي و الذي كان مشغولا أنذاك بحربه الأهلية و سأحاول نشرها تبعا في دراسة عن حرب دمشق   1860 في الصحافة الأمريكية .

 

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها