الرئيسية حقوق الإنسان من ينقذ سوريا ؟

دراسات ميدانية





من ينقذ سوريا ؟ PDF طباعة البريد الإلكترونى

 

الجمهورية العربية السورية

 كتبت مرح البقاعي

في حين تترنّح خطة المبعوث الأممي، كوفي عنان، تحت الضربات الاستباقيّة التي توجهها كتائب الأسد النظامية بغرض الإرهاب والتعنيف القصدي، ينفتح القرار الدولي على فراغ كبير في ظل غياب خطط جاهزة للتعويض عن مبادرة عنان في حال سقوطها الكامل الذي غدا وشيكاً باعتراف رئيس بعثة المراقبين، الجنرال روبرت مود، والذي قام بتعليق أعمال اللجنة عازياً القرار إلى"افتقار الرغبة في التحوّل السلمي في سوريا، والذي يحلّ محلّه توجهاً واضحاً نحو تحقيق مكاسب عسكرية".

طبعاً جاء هذا الموقف إثر تعرّض موكب المراقبين الدوليين لاعتداء غير مسبوق ومباشر شنّته المجموعات المؤيدة لبشار الأسد في مدينة الحفة باللاذقية حيث حذّر المراقبون من احتمال وقوع مجازر تطال المدنيين العزل على غرار مجزرتي الحولة والقبير، وكذا بسبب المؤشر التصاعدي للعنف في سوريا الذي تمارسه أطراف النظام على المدنيين في القرى والمدن السورية ابتداء بالاغتصاب الجنسي مروراً بالتعذيب الجسدي وصولاً إلى الذبح والقتل بالفؤوس وبدم الوحوش الضارية البارد.
كل هذا يجري في سوريا والعالم في سبات عميق لا يرجّ بركته الراكدة، بين الفينة والأخرى، سوى صور جثث الأطفال المشوّهةوالمبتورة الأعضاء والتي يأبى الشيطان نفسه أن يمثّل بها كما تفعل عصابات الأسد المدرّبة على القتل والفتك بهيستيريا دموية لم تشهدها البشرية ولم تعهد حقداً مضمراً كأحقادها.
أما هنا في الولايات المتحدة، الدولة التي تأسس دستورها على المبادئ الرئيسة لحقوق الإنسان فإن "تطنيش" الرئيس أوباما ومجموعته في البيت البيض عن فداحة الأحداث في سوريا قد بلغ الزبى! كما أن مراوحة الخارجية الأميركية بين الشجب والتهديد لنظام الأسد دون اتخاذ خطوات فاعلة على الأرض إنما يشكّل غطاء لهذا النظام ليوغل في القتل دونما الخوف من رقيب أو حسيب، ولحليفيه إيران وروسيا بأن تستمرا بالدعم اللوجستي والسياسي لعمليات القمع المخيفة يمارسها على شعبه الذي خرج طلباً للكرامة والحرية.
في جربدة نيويورك تابمز اليسارية، والتي تشكّل الظهير الإعلامي الداعم لإدارة أوباما، كتب الصحافي الشهير ،نيكولاس كريستوف، في مقالة حملت عنوان: من جائزة نوبل إلى الشلل " قد لا تتوفّر لدينا حلول سهلة عندما تتحوّل الحكومات إلى القتل الجماعي، ولكن يجب علينا على الأقل أن نكون في الجانب النيّر من التاريخ! وهذا أقل ما نتوقّعه من الرجل الحائز على جائزة نوبل للسلام". هذا النقد غير المسبوق من حديقة أوباما الاعلامية الخلفية، إنما يؤشر إلى الانفصال التام بين إرادة الشارع الأميركي وطموحاته في حكومته وبين الانضواء التي تعاني منه إدارة أوباما حين يتعلّق الأمر بالحسم في الشأن السوري. هذا الاكتئاب السياسي يتنافى مع كل قيم الثقافة الأميركية التي ارتفعت على تقديس الحريّات والمجاهرة بأولويتها الإنسانية.
إن ما اقترفته القوات الحكومية السورية من جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية ممنهجة من خلال مهاجمة المدنيين، مطلقة نار مدافع الميدان وراجمات الصواريخ على الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، ومستخدمة القناصة والطائرات المروحية ضد المدنيين، هذا ناهيك عن تعذيب الجرحى والتمثيل بجثث الشهداء بعد سرقتها من المشافي. هذه الإرتكابات هي جرائم كاملة ضد الإنسانية حسب التعريف الوارد في النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية المبرم في روما.
هذه الجرائم المنظمة تستمر بعد مرور عام ونصف العام على اندلاع الثورة السورية الماجدة، وعلى مرأى من المراقبين الدوليين الذين وثّقوا لهذه اجرائم التي تقارب في مواصفاتها أحداث كوسوفو وراوندا والصومال وينطبق عليه مبدأ مسؤولية الحماية R2P.
 لا يعترف المبدأ هذا بحق السيادة للدول منفصلاً عن شرطه، وإنما يربط هذا الحق بمسؤولية الدولة عن حماية السكان من مواطنيها والمقيمين على أراضيها أيضاً. وحين تفشل الدولة في تأمين هذه الحماية يصبح من واجب المجتمع الدولي التدخّل المباشرمن أجل تأمين سلامة وأمن هؤلاء المدنيين، هذا في الحالة المثالية لتطبيقات المبدأ، فما بالكم بما يجري بمقتضى الحالة السورية وحكومتها المتهاوية  التي تقوم بنفسها بعمليات الاعتداء على العزل المدنيين في عقر دارهم؟!
إنه لمن دواعي الخيبة أن المزاج الدولي لم ينضج بعد ليتّخذ قراراً بالحسم والقطع مع بشار الأسد ونظامه، فالولايات المتحدة وإدارتها الديمقراطية تحمل من قوة الخطابة أكثر بكثير مما تمارسه بقوة الفعل، والأوروبيون منقسمون بين مؤيد لتوجيه أقصى العقوبات على النظام، بما فيها الحسم العسكري، إلى من يماطل ويختبئ وراء الغربال بانتظار أن تتّضح مواقف الدول ذات التأثير المباشر على القرار الأممي. أما روسيا ـ بوتين، التي شهدت شوارعها مؤخراً تظاهرات عارمة هي أشبه بالربيع الروسي، فماضية في تشكيل الأحلاف وابتكار الاصطفافات السياسية للعودة إلى خارطة القوى الكبرى من خلال استرجاع ظروف الحرب الباردة. وما دور "محامي الشيطان" الذي تلعبه في الحالة السوريّة إلا محاولة منها لاستعادة نفوذها العالمي المفقود، دونما اكتراث بالعواقب الإنسانية لموقفها المشبوه هذا.
اليوم، إثر تعليق لجنة المراقبة الأممية أعمالها في سوريا، لم يعد أمام المجتمع الدولي إلا تحمّل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية كاملة، والتوجّه إلى الجمعية العامة للأم المتحدة للمطالبة بتنفيذ قانون مسؤولية الحماية، دونما تأجيل، وبدعم من مجموعة دول أصدقاء الشعب السوري التي تشكّل تحالفاً واسعاً لنصرة الثورة السورية الماجدة، وبالسرعة الممكنة، قبل فوات الأوان.



جريدة الحياة
 
 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها