الرئيسية مقالات الرأي المثقفون والسلطة وغياب الحرية

دراسات ميدانية





المثقفون والسلطة وغياب الحرية PDF طباعة البريد الإلكترونى

كتب فضيل الأمين ـ عضو مجلس الوارف الاستشاري
ما هي علاقة الحكومات بالثقافة، ولماذا ترتبط الثقافة بالحكومات في العالم الثالث أو النامي؟ وهل من دور لوزارات الثقافة ووزارات الاعلام؟ ولماذا يرتبط المثقفون في عالمنا العربي بالمؤسسات الرسمية ويعتمدون عليها اعتماداً كبيراً سواء في معاشهم أو في طباعة ونشر انتاجهم؟ وهل ثمة من دور إيجابي يمكن أن تلعبه الحكومات لخدمة الثقافة والمثقفين؟

عصفت هذه الأسئلة هذا الأسبوع بذهني عندما كنت افكر في أمر الثقافة والمثقفين وتكاثرت بعد قراءتي لأخبار ما يسمى بالـ"اللقاء التحضيري الأول للقمة الثقافية العربية" الذي انعقد مؤخراً تحت مظلة الجامعة العربية.
اطلاعي على البيان الختامي لهذا الملتقى دفعني لمحاولة مقارنته بالبيانات الختامية التي تصدر عن القمم السياسية فوجدت ديباجته ومحتواه لا يختلف عنها في شئ يذكر.البيان طويل ومسهب في التوسلات والمطالبات والرجاءات والتوصيات.
ما غاب عن البيان هو لب الأمر وبيت القصيد وهو ما علاقة الحكومات بالثقافة؟ وهل السلطة، والتي بطبيعتها سياسية الأصل والأهداف والمقاصد، يمكن أن تكون في أي وقت وتحت أي ظرف وصيّة على الثقافة أو داعمة لها أو دافعة لحركتها إلا إذا كانت الثقافة في خدمة السلطة وداعمة لها وليس العكس.
السلطة حيث ما كانت هي بطبيعتها كيان سياسي سلطوي يهدف إلى الاستمرار والتمدد والتغوّل أحياناً ومن أجل ذلك يعمل على تسييس وتوظيف القضايا والأحدات وحتى الأيديولوجيا والدين ضمن أطر الحركة السياسية. والثقافة لن تشذ أو تنجو من هذا المصير مهما كان الأمر.
ولهذا نجد اشكالية العلاقة بين السلطة والثقافة محل جدل وحوار في العالم. ففي الولايات المتحدة مثلاً، لا يحق للحكومة أن تمتلك وسائل اعلام أو مؤسسات ثقافية تسيطر عبرها على الاعلام والثقافة وتوجّه من خلالها المجتمع وتؤثر في شكل ونوعية ومحتوى الحركة الاعلامية والثقافية. جاءت القوانين التي تحرّم ذلك من أجل حماية المجتمع من عمليات البروباغاندا والتأطير الإيديولوجي. وهذا يختلف عن ملكية الدولة لوسائل اعلامية أو ثقافية تخاطب عبرها العالم الخارجي وتقدم من خلالها الانتاج الثقافي للمجمتع أو ما يمكن أن تسميه تصدير الثقافة والتأثير في العالم والتواصل معه لخدمة الأهداف الاستراتيجية وبناء جسور التواصل والتفاهم درءاً للصدامات الصراعات والحروب. والثقافة والإعلام يمكن أن يلعبا دوراً عالمياً في هذا المجال.
أما حركة الثقافة والمثقفين في داخل المجتمع فهي تنبع من المجتمع ومخاضاته ومعايشاته وتعكس كل آماله وآلامه وتقلباته ومعاناته عبر وسائط التعبير الثقافي المتعددة من تأليف وكتابة وفن واخراج وتصميم وتصوير وانتاج وسينما واعلام وكتب وصحف وانترنت...
وما يدعم هذه الحركة الثقافية المتدفّقة هو المجتمع ومؤسساته وما يحركها هو السوق. سوق الأفكار والابداع وسوق العرض والطلب الذي يتأثر بتقلبات المجتمع التي تعبّر عنها الثقافة وتصوغها وتصنعها في آن واحد.
أما في عالمنا العربي فلا تزال العلاقة بين الثقافة والمثقفين من جهه والسلطة والحكومات من جهه أخرى هي علاقة سيد ومسود. علاقة تحكمها الحاجة ويسودها الإرتباط الإتكائي المادي والمعنوي على السلطة المانحة والمتحكمة في نفس الوقت. فالمثقف في عالمنا العربي هو بطريقة أو أخرى موظف حكومي شأنه شأن معظم الشعب الذين يعملون تحت إمرة السلطة (الكوربورايشن) أي الشركة الموُظِفة للجميع المتحكمة في دخلهم الشهري.
الدكتور سليمان ابراهيم العسكري، رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية ألقى الضوء على حقيقة معاناة المثقف العربي ومحنته مع السلطة والتي تسببها له السلطة "إن ما يشغلُ بال المثقف العربي المهموم بأمته، والمهتم لواقعها، والمنشغل بقضاياها، والمخطط لمستقبلها، ليس الجوائز والمنح، وإن كان هذا أمرًا مهمًا وضروريًا لحماية وضمان استقرار معاشه، بل إن ما يشغله هو حماية فكره وإبداعه، بالدرجة الأولى؛ حمايته من العزل والمنع والمصادرة والملاحقة، همه حماية حريته في أن يفكر ويجتهد ويقترح وينقد ما يراه من أوضاع معوجة في مجتمعه، فالمثقف هو العين الساهرة الفاحصة ـ نيابة عن جموع الناس ـ للأخطاء والاعوجاجات التي تحدث في المجتمع والدولة على حد سواء، ولا بد من ضمانات لحماية هذه العين الساهرة لتؤدي دورها في حماية وتطوير المجتمع، لأن المثقفين هم صمام أمان حماية المجتمع من الانحراف والسقوط. هذا الدور الذي يقوم به المثقفون يحتاج إلى تشريعات حكومية وبرلمانية لحمايته وصونه من المنع والاعتداء، وإلا فلن يجدي حديث عن الثقافة والمثقفين في بيئة لا تحمي الفكر ومنتجيه".
وهذا يقودنا إلى مربط الفرس كما يقولون. المشكل الأكبر والأهم الذي تعاني منه الثقافة وممارسيها من المثقفين هو غياب الحرية. مصادرة الحرية أو تقنينها وقولبتها بطريقة تؤدي إلى إلغائها هو بيت القصيد. ففي غياب الحريات لا يمكن أن تزدهر الثقافة ولا يمكن ان يبدع المثقفون فالفكر والأدب والفن بكل أشكاله ومظاهره يعتمد على ركيزة الحرية. غياب الحرية يجعل الثقافة عقيمة ومتبلدة وديماغوغية ومأدلجة في نفس الوقت وتتحوّل إلى بروبغاندا ليس إلا.
في العالم الغربي تم التغلب على اشكالية دعم وتمويل الثقافة والمثقفين عبر الاعتماد على مستخدمي الثقافة والمستفدين منها والذين يتبنونها. هؤلاء الذين يعرفون قيمتها ويتفاعلون معها. هؤلاء الذين يدعمونها عبر التبرع الفردي أو بناء مؤسسات التمويل والتشجيع والخدمات والمنح بعيداً عن يد السلطة وتأثيرها. وقد تقوم الحكومات بتقديم منح ولكن دونما إملاء أو شروط أو توجيه.
وهكذا يجب أن يكون حال الثقافة في بلداننا. ما نشاهده اليوم من تخلف في الثقافة المثقفين ليس سوى انعكاس ليس فقط لتحكم السلطة فيهما واستخدمها لهما ولكن هو ايضاً انعكاس لواقع المجتمع ودرجة غياب احتفائه وحرصه واهتمامه بالثقافة والمثقفين.
كيف يمكن اعادة صياغة علاقة الثقافة والمثقفين بالمجتمع والسلطة وخلق ديناميكية جديدة تساعد على انعتاقهما من قيد السلطة واهمال المجتمع؟
سؤال كبير يحتاج إلى حوار ولعلي في الاسبوع القادم اعرج، إن شاء الله، على اشكالية التمويل والاستقلال المالي كأساس لبناء ثقافة مبدعة وحرة تخدم المجتمع وليس السلطة.

* نشر في صحيفة أويا يوم الخميس 14 اكتوبر 2010

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها