الرئيسية مقالات الرأي زوكربيرغ @ تونس

دراسات ميدانية





زوكربيرغ @ تونس PDF طباعة البريد الإلكترونى

 

كتبت مرح البقاعي
خاص الوارف ـ مقالات الرأي 
" بن علي هرب .. تونس حرّة.. تونس حرّة ..الحرية للتوانسة...."
هكذا، في ليل 14 يناير 2010  من شارع بورقيبة الخالي في حينها إلا من ملاّلات الجيش الوطني تحرس الفراغ الذي خلّفه سقوط رأس السلطة المدوّي، ارتفع صوت مواطن تونسي بالهتاف لحرية مواطنيه في تونس بعد أن انفكّت من قبضة الرئيس زين العابدين بن علي، إثر هروبه تلك الليلة خارج تونس، هائما على وجهه، ودونما وجهة محددة  تحطّ طائرته فيها.

كم من البلاغة تلزم لاختزال مشاهد انتفاضة الشباب التونسي تلك في قوام اللغة، وكم من المجاز يُستدعى لاستيعاب ذاك الحدث غير المسبوق في بلد يعضّ منذ عقود خلت على جرحه، وذلك في سياقه الاستباقي في الزمن والجغرافيا؟ خانتني السليقة مرارا وأنا أحاول إعادة صياغة الحدث الأجّل بلغة تستوعب كل هذا الجمال الثوري الأقرب إلى زهرة لوتس بريّة عملاقة تنفتح على سطح بحيرة من نار!
التسارع كان قياسيا منذ بدء اندلاع المظاهرات التي عمّت المدن التونسية كافة إثر إضرام رمز الثورة، محمد البو عزيزي، النار بجسده "احتجاجا على الظلم والقهر لا الفقر الذي كان قد تعود عليه" كما أفادت شقيقته، حتى ساعة هروب رأس النظام في تونس وعائلته تحت ضربات الشارع المتعاظمة واقتراب المظاهرات العارمة من قصره المنيف. آثر الرئيس المخلوع - بيد الشعب هذه المرة وليس بيد الأجنبي - أن يرحل تحت جنح الظلام، ومن أبواب العاصمة الخلفية، على أن يتقدّم باستقالته ويتنحّى عن الحكم ويواجه مسؤوليته أمام شعب ائتمنه على مقدّراته وأرضه ومستقبله فخان الأمانة.
لم يجد بن علي في أصدقائه الغربيين من يوفّر له مهبطاّ لطائرته التي اُستنفذ وقودها وهي تحوّم لساعات عديدة في أجواء الدول "الحليفة" بحثا عن ملاذ إثر انهيار صرحه الأمني الهش. وتناقلت الأجواء السياسية هنا في العاصمة واشنطن أن الوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون طلبت في اتصال هاتفي مع مسؤولين في السعودية استقباله على أرضها! فالموقف الأميركي كان دائما ملتبسا فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحريّات في تونس، وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد أصدرت في شهر أبريل الفائت، وعلى هامش زيارة وزير الخارجية التونسي، كمال مرجان، للولايات المتحدة، مذكرة رفعتها سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة قالت فيها: "تونس تتحدث كثيراً عن احترام حقوق الإنسان، لكن ممارساتها في هذا الشأن شيء مختلف تماما" وأضافت: "على وزيرة الخارجية كلينتون أن تؤكد علناً على الرغبة في رؤية نهاية الاضطهاد للصحفيين المستقلين ونشطاء حقوق الإنسان ".
هكذا، وبعيدا عن التنظير السياسي الضيق والأدبيات التنظيمية الركيكة والاصطلاحات الأكاديمية الرصينة، وقريبا من الحس الغريزيّ البكر بالحق الإنساني المطلق بالحرية والكرامة، وتنامي الشعور العام بالحاجة إلى التغيير قبل الحاجة إلى الخبز، أسّس شباب تونس لمشروعهم الثوري الخاص بعيدا عن النظرية التقليدية لتحقيق التغيير السياسي في البلاد العربية، وتمكّنوا في حركية سلمية مهدها الشارع، وعمرها أشهر معدودة فقط، من الإطاحة بطاغٍ مستبدّ وتقويض أسس حزب حاكم أوحد ونظام شرس حكم البلاد لمدة 23 عاما بسطوة الأمن الحديدية، وكذا أجبروا رأس النظام على التسلل خلسة خارج البلاد تحت ثقل الغضب الجارف والحزن الشعبي العميم على شهداء الثورة ممن واجهوا رصاص عصابات بن علي الأمنية وقنّاصيه المنتشرين على أسطحة الأبنية السكنية بصدورهم العارية.
هكذا، وبسرعة انتقال المعلومات في ألياف خطوط الانترنت، انتقلت شرارة الثورة بين فئة الشباب التي تتجاوز نسبتها الـ 21% من مجموع التونسيين عبر موقع الفيس بوك الذي شكّل غرفة العمليات الحقيقية لإدارة هذه الحركة. وإذا علمنا أن ما يقارب مليون ومئتي ألف تونسي يملكون حسابا خاصا على الموقع نستطيع أن نقدّر حجم وعمق التواصل والتنسيق الذي انتظمت عليه تلك الثورة وفاجأت العالم بأسره بقدرتها على التكامل والكمال في آن. وكانت معضلة البطالة التي يعاني منها الشباب التونسي المتعلم، والتي وصلت نسبتها إلى 14% في العام 2010، الفتيل الذي أشعل تلك النار الفارعة، والتي سرعان ما تحولت إلى احتجاجات عريضة على الفساد الحكومي والقمع الأمني وغياب الحريات، منهية صلاحية النظريات الجاهزة والتقليدية التي يعتقد أصحابها أنه ليس بالإمكان الإطاحة بنظام استبدادي ما لم تتوفر معارضة سياسية منظمة ذات قيادة متماسكة.
هكذا أصبح بإمكان مارك زوكربيرغ، الشاب الأميركي الذي أسس موقع الفيس بوك، أن يفاخر بأن قارته "السابعة" التي أطلقها على أمواج الانترنت الرقمية كانت الجهة اللوجستية الحاضنة لأولى ثورات العصر وأصباها، وأكثرها نورانية، منذ اندلاع الثورة الفرنسية التي أطاحت برأسيّ الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري أنطوانيت في العام 1793، وانتهاء بـ "ثورة الصبّار"، كما يطلق عليها أهل سيدي بوزيد مسقط رأس الشاب البوعزيزي - نبي الثورة وشاهدها الشهيد.

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها